توفيق أبو علم

198

السيدة نفيسة رضي الله عنها

وكان رحمه الله موفور العلم ، غزير المادة ، وكانت حافظته القوية خزانة لشتّى المعارف التي كانت سائدة في عصره ، إلى زلاقة في اللسان ، وعذوبة في البيان ، وقوّة في المنطق والبرهان . وكان يلذّ له أن يناظر العلماء ؛ لثقته في نفسه ، وإيقانه بالغلبة والنصر ، ولعلمه أنّ المناظرات محكّ العلم ، ومختبر الصحيح والسقيم به . ووفد الإمام إلى مصر ، وتمّ التعارف بينه وبين السيّدة نفيسة رضي اللَّه عنها ، وتوثّقت بينهما الصلات ، وقد ربط بينهما نزوع إلى خدمة العقيدة الاسلامية ، وحرص على رفع منارها ، كلٌّ بطريقته وأُسلوبه ، وإنّه لهدف مشترك لمثله تتقارب القلوب الصافية ، وتتلاقى الجهود المتفرّقة المخلصة ، وكانت دار السيّدة كريمة الدارين بمثابة الجزيرة المطمئنّة ، القائمة وسط بحرٍ صاخبٍ متلاطم الأمواج . وقد اعتاد أن يزورها وهو في طريقه إلى حلقات درسه في مسجد الفسطاط ، وفي طريق عودته إلى داره ، وفي غير ذلك من الأوقات ، وكان يصلّي بها التراويح في مسجدها في شهر رمضان الكريم ، وكان من عادته إذا ذهب لزيارتها صحبه بعض أصحابه . ومع جلال قدر الإمام الشافعي وعلوّ درجته ، فإنّه كان إذا ذهب إليها سألها الدعاء ملتمساً بركاتها ، وقد سمع عليها حديث جدّها المصطفى صلى الله عليه وآله ، وإذا أصابه مرض جعله يتخلّف عن زيارتها أرسل إليها رسولًا من تلاميذه ؛ كالربيع الجيزي أو غيره ، فيقرئها سلامه ويقول لها : إنّ ابن عمّك الشافعي مريض ويسألك الدعاء ، فترفع بطرفها إلى السماء وتدعو له ، فلا يرجع رسوله إلّاوقد عوفي الإمام من مرضه وأبل من شكاته . ولمّا مرض مرضه الذي مات فيه أرسل لها على جاري عادته يلتمس منها الدعاء ، فقالت للقاصد : متّعه اللَّه بالنظر إلى وجهه الكريم ، وسأله الإمام الشافعي : ماذا قالت له السيّدة